الغزالي

45

إحياء علوم الدين

على مثل هذه الحالة . هذا [ 1 ] فيمن ليس يقصد الغلبة ، والغنيمة ، وحسن الصيت بالشجاعة ، فإن من هذا حاله وإن قتل في المعركة ، فهو بعيد عن مثل هذه الرتبة كما دلت عليه الأخبار وإذ بان لك معنى سوء الخاتمة ، وما هو مخوف فيها ، فاشتغل بالاستعداد لها ، فواظب على ذكر الله تعالى ، وأخرج من قلبك حب الدنيا ، واحرس عن فعل المعاصي جوارحك وعن الفكر فيها قلبك ، واحترز عن مشاهدة المعاصي ومشاهدة أهلها جهدك ، فإن ذلك أيضا يؤثر في قلبك ، وبصرف إليه فكرك وخواطرك وإياك أن تسوّف وتقول : سأستعد لها إذا جاءت الخاتمة ، فإن كل نفس من أنفاسك خاتمتك ، إذ يمكن أن تختطف فيه روحك . فراقب قلبك في كل تطريفة ، وإياك أن تهمله لحظة ، فلعل تلك اللحظة خاتمتك ، إذ يمكن أن تختطف فيها روحك . هذا ما دمت في يقظتك . وأما إذا نمت فإياك أن تنام إلا على طهارة الظاهر والباطن ، وأن يغلبك النوم إلا بعد غلبة ذكر الله على قلبك . لست أقول على لسانك ، فإن حركة اللسان بمجردها ضعيفة الأثر واعلم قطعا أنه لا يغلب عند النوم على قلبك إلا ما كان قبل النوم غالبا عليه ، وأنه لا يغلب في النوم إلا ما كان غالبا قبل النوم ، ولا ينبعث عن نومك إلا ما غلب على قلبك في نومك والموت والبعث شبيه النوم واليقظة . فكما لا ينام العبد إلا على ما غلب عليه في يقظته ، ولا يستيقظ إلا على ما كان عليه في نومه ، فكذلك لا يموت المرء إلا على ما عاش عليه ، ولا يحشر إلا على ما مات عليه . وتحقق قطعا ويقينا أن الموت والبعث حالتان من أحوالك ، كما أن النوم واليقظة حالتان من أحوالك . وآمن بهذا تصديقا باعتقاد القلب ، إن لم تكن أهلا لمشاهدة ذلك بعين اليقين ونور البصيرة وراقب أنفاسك ولحظاتك ، وإياك أن تغفل عن الله طرفة عين ، فإن إذا فعلت ذلك كله كنت مع ذلك في خطر عظيم ، فكيف إذا لم تفعل ! والناس كلهم هلكى الا العالمون ، والعالمون